آخر الانباء عن إيرانالأخبارايران داخليا

مأزق الخيارات الصعبة أمام النظام الإيراني

الحوار المتمدن-سعاد عزيز:

يواجه النظام الإيراني، وفق المعطيات الواردة في التقرير، مرحلة معقدة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع التوترات السياسية والأمنية، في وقت تبدو فيه خيارات القيادة محدودة بين الاستمرار في سياسة التصعيد الخارجي والسعي إلى التفاوض والتهدئة. ولا تكمن صعوبة الموقف في كلفة أي من الخيارين فحسب، بل في تداعياتهما المحتملة على التوازنات داخل مؤسسات الحكم وعلى الوضع الاجتماعي في البلاد.

ويبدو أن أحد أبرز عناصر المأزق يتمثل في التناقض بين الاعتبارات الاقتصادية التي تدفع باتجاه تخفيف التوتر، والاعتبارات الأمنية والسياسية التي تجعل بعض أجنحة السلطة أكثر تمسكا باستمرار أجواء المواجهة. وبين هذين الاتجاهين تتحرك الحكومة الإيرانية في بيئة داخلية وخارجية شديدة التعقيد.

الاقتصاد يضيق هامش المناورة

تعد الضغوط الاقتصادية من أهم العوامل المؤثرة في قدرة إيران على مواصلة سياساتها الحالية. فضعف الإيرادات، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتراجع النشاط الصناعي، إلى جانب العقوبات والعزلة المالية، كلها عوامل تحد من قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الداخلية والخارجية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح استمرار المواجهة العسكرية أو التوتر الإقليمي أكثر كلفة بالنسبة إلى الخزانة العامة، خصوصا إذا ترافق مع انخفاض الإيرادات النفطية أو صعوبات في تصديرها وتحويل عائداتها. لذلك قد يصبح التفاوض، من منظور اقتصادي، وسيلة لتقليل الضغوط وليس بالضرورة تعبيرا عن تحول استراتيجي كامل في السياسة الإيرانية.

وتكمن المفارقة في أن أي اتفاق يخفف الضغوط الاقتصادية قد يوفر للنظام فرصة لإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية، لكنه في الوقت نفسه قد يفرض عليه تقديم تنازلات سياسية أو أمنية لا تحظى بالقبول داخل جميع مراكز القرار.

الحرب بوصفها عاملا في الصراع الداخلي

لا تقتصر أهمية أجواء الحرب بالنسبة إلى النظام على بعدها الخارجي. فمن منظور سياسي وأمني، يمكن أن تؤدي حالة التوتر المستمر إلى تعزيز الخطاب المرتبط بالأمن القومي، وتوسيع هامش الإجراءات الأمنية، وربط المطالب الاجتماعية والسياسية بالتهديدات الخارجية.

وهنا يظهر أحد أوجه الخلاف داخل السلطة الإيرانية. فبينما قد ترى المؤسسات التنفيذية والاقتصادية أن تخفيف التوتر ضروري لتقليل الضغوط، قد تنظر دوائر أمنية وسياسية متشددة إلى التهدئة باعتبارها خطوة محفوفة بالمخاطر. فالانتقال من أجواء التعبئة والمواجهة إلى مرحلة أكثر هدوءا قد يتيح للمواطنين التركيز بصورة أكبر على المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.

ومن ثم، فإن الخلاف حول التفاوض لا يتعلق فقط بشروط أي اتفاق مع الخارج، وإنما يرتبط أيضا بتقييم تداعياته على الوضع الداخلي. وهذا يفسر، جزئيا، حدة الخطاب المتباين بين المؤسسات والأجنحة المختلفة في النظام.

الضغوط الخارجية تزيد تعقيد المشهد

يتزامن ذلك مع استمرار الضغوط الدولية والإقليمية على طهران. فالعقوبات، ومحدودية الاستثمارات الأجنبية، والتوترات المرتبطة بالسياسة الإقليمية الإيرانية، كلها عوامل تزيد صعوبة الوصول إلى وضع اقتصادي مستقر.

وفي حال تراجعت قدرة البلاد على تأمين الواردات أو الحفاظ على انتظام سلاسل الإمداد، فإن التأثير لا يبقى محصورا في المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد إلى أسعار السلع ومستوى المعيشة وثقة المواطنين بقدرة الدولة على إدارة الأزمة.

غير أن تقييم حجم هذه الضغوط ودرجة تأثيرها يتطلب الفصل بين ما هو مؤكد من الوقائع الاقتصادية وبين التقديرات السياسية. فالأزمات الاقتصادية قد تضعف قدرة الحكومات على المناورة، لكنها لا تؤدي تلقائيا إلى تغيير سياسي، إذ يعتمد ذلك أيضا على قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الأزمة وعلى مستوى التماسك داخلها.

حساسية السلطة تجاه الشارع

يشكل الوضع الاجتماعي عاملا آخر في معادلة القرار. وقد أظهرت الاحتجاجات الإيرانية خلال السنوات الماضية أن القرارات المتعلقة بالأسعار والدعم والوقود يمكن أن تتحول سريعا إلى قضايا سياسية تتجاوز أسبابها الاقتصادية المباشرة.

ومن هذا المنطلق، فإن التراجع عن إجراءات اقتصادية مثيرة للجدل، أو تأجيلها، يمكن قراءته باعتباره مؤشرا على حساسية السلطات تجاه ردود الفعل الشعبية. لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن البلاد تقف بالضرورة على أعتاب انتفاضة شاملة؛ فذلك يتوقف على مجموعة من العوامل، من بينها حجم الضغوط المعيشية، وقدرة المعارضة على التنظيم، ومدى استعداد مؤسسات الدولة لاستخدام أدوات الاحتواء والقمع.

ومع ذلك، فإن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية يضع صانع القرار أمام معضلة واضحة: رفع الأسعار والإجراءات التقشفية قد يزيد السخط الشعبي، بينما استمرار الدعم أو تجميد الإصلاحات يفاقم الضغوط على المالية العامة.

بين كلفة الحرب وكلفة التهدئة

يمكن اختصار المأزق الإيراني الراهن في معادلة سياسية واقتصادية صعبة. فاستمرار التصعيد الخارجي يرفع الكلفة الاقتصادية ويزيد مخاطر العزلة، في حين أن التهدئة والتفاوض قد يخففان الضغوط الخارجية، لكنهما قد يفتحان في المقابل نقاشا داخليا حول نتائج السياسات السابقة وحجم التنازلات المطلوبة.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن النظام أمام خيارين يقود أحدهما حتما إلى الانهيار. فالدول والأنظمة السياسية تستطيع في كثير من الحالات إدارة الأزمات لفترات طويلة من خلال إعادة توزيع الموارد، وتشديد الإجراءات الأمنية، أو عقد تسويات مرحلية مع الخارج. لكن استمرار الضغوط في مستويات مرتفعة يضيق مساحة المناورة ويجعل تكلفة الأخطاء السياسية والاقتصادية أكبر.

وفي نهاية المطاف، تبدو قدرة النظام الإيراني على تجاوز المرحلة مرتبطة بقدرته على تحقيق توازن بين ثلاثة مسارات مترابطة: تخفيف الضغوط الاقتصادية، وإدارة علاقاته الخارجية، والحفاظ على قدر من الاستقرار الداخلي. أما مستقبل الاحتجاجات أو المعارضة، فسيتحدد بدرجة كبيرة وفق تفاعل هذه العوامل مع قدرة المجتمع والقوى السياسية المختلفة على التنظيم والتعبئة.

وبذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان النظام سيختار الحرب أو التفاوض فحسب، وإنما كيف سيؤثر كل خيار في الاقتصاد والمجتمع وموازين القوى داخل مؤسسات الدولة. وفي ظل استمرار الضغوط، قد لا يكون أمام طهران خيار مثالي، بل سلسلة من الخيارات المكلفة التي يتعين عليها الموازنة بينها للحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي في آن واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى