اقتصاد الحجب في إيران.. مليارات التومانات تتحول إلى مصدر أرباح لشبكات الفساد

تكشف اعترافات وتصريحات رسمية في إيران عن تحول سياسة حجب الإنترنت إلى سوق مالية ضخمة تدر مليارات التومانات سنوياً، فيما يُجبر ملايين الإيرانيين على دفع مبالغ للوصول إلى المنصات والخدمات المحجوبة. وبينما تبرر السلطات القيود الرقمية بدواعٍ أمنية، تشير المعطيات إلى أن هذه السياسة لا تؤدي فقط إلى تقييد حرية الوصول إلى الإنترنت، بل تفتح أيضاً المجال أمام شبكات تجارية ونفوذ مرتبطة بمراكز القوة للاستفادة من سوق برامج كسر الحجب، في وقت تُستخدم فيه القيود الرقمية كذلك للحد من قدرة المحتجين على التواصل وتوثيق الانتهاكات.
متقاعدو الضمان الاجتماعي في طهران وشوش يعودون إلى الشوارع احتجاجاً على الغلاء ونهب مدخراتهم
أماطت التصريحات الرسمية اللثام عن تحول الرقابة الإلكترونية في إيران من مجرد إجراء أمني إلى سوق تجارية ضخمة تبتلع مدخرات الأسر؛ حيث تشير التقديرات الميدانية إلى أن سوق برامج كسر الحجب المدفوعة يدر يومياً نحو 125 مليار تومان، ليصل العائد الشهري إلى ما يقارب أربعة تريليونات تومان. وتؤكد البيانات أن ما يقارب تسعين في المئة من مستخدمي الشبكة في البلاد يضطرون لشراء أو استخدام هذه البرامج لتجاوز القيود المفروضة على المنصات العالمية الأساسية. هذا الواقع يعني أن المواطنين يدفعون ضريبة مالية قسرية لشركات وجهات غير معلنة لمجرد الحصول على خدمة متاحة مجاناً في سائر دول العالم، في حين تعترف الدوائر الحكومية بعجزها عن تتبع مسار هذه التدفقات المالية أو معرفة الجهات النافذة التي تستقر تلك المليارات في حساباتها.
وتعكس هذه السياسة ازدواجية فاضحة في سلوك المنظومة الحاكمة؛ فبينما يُحرم ملايين المواطنين من حق الوصول إلى التطبيقات العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، ينشط مسؤولو النظام ومكاتب الولي الفقيه وأجهزته الدعائية بحرية مطلقة على ذات المنصات المحظورة، مثل منصة إكس وإنستغرام وغيرها. هذا التباين الصارخ يكشف عن زيف الادعاءات الأخلاقية والأمنية التي يسوقها النظام لتبرير الحجب، ويؤكد ما حذر منه نواب ومراقبون داخل البلاد حول وجود “مافيا منظمة” تمتلك نفوذاً واسعاً داخل مراكز القرار، وتعمل جاهدة على إبقاء فضاء الإنترنت مغلقاً لضمان استمرار تدفق الأرباح الخيالية إلى جيوب المنتفعين من أدوات الالتفاف على الحجب.
ولا تنفصل الأبعاد الاقتصادية لهذه التجارة عن وظيفتها الأمنية المباشرة؛ إذ لطالما مثلت العتمة الرقمية السلاح الأبرز لنظام طهران في مواجهة الانتفاضات الشعبية. وتلجأ الأجهزة الأمنية عند كل منعطف ثوري إلى قطع خدمات الاتصال أو إضعاف جودة الشبكة، بهدف شل قدرة المتظاهرين على التنسيق الميداني، وعرقلة توثيق الانتهاكات الفظيعة التي يرتكبها حرس النظام الإيراني بحق المحتجين، ومنع وصول الحقيقة إلى الرأي العام العالمي. وتظهر الأرقام أن فترات الانقطاع والاضطراب الرقمي سجلت أرقاماً قياسية تخطت آلاف الساعات خلال موجات الاحتجاج المتلاحقة؛ مما يثبت أن الحصار الرقمي هو ركيزة قمعية استراتيجية يُراد منها خنق صوت الشارع وتسهيل تصفية المعارضين في الظلام.
بنزين إيران بين اختبار الأسعار وغضب الشارع.. هل يتحول الغلاء إلى شرارة انتفاضة جديدة؟
تتجاوز التداعيات الكارثية للحجب حدود الإنفاق المالي على الاشتراكات الرقمية، لتمتد إلى تدمير مفاصل الاقتصاد الرقمي وشل مئات الآلاف من المشاريع الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال والطلاب والباحثين الذين يعتمدون كلياً على التواصل الدولي. وإلى جانب الخسائر الاقتصادية المباشرة، يؤدي الاعتماد القسري على برامج كسر الحجب مجهولة المصدر إلى مخاطر سيبرانية بالغة تهدد خصوصية المستخدمين وتعرض بياناتهم للاختراق، فضلاً عن تبديد موارد البنية التحتية للاتصالات في معارك تقنية عقيمة تهدف إلى ملاحقة المستخدمين بدلاً من تطوير قطاع التكنولوجيا وتوفير خدمات حديثة وآمنة للمجتمع.
تثبت هذه الحقائق أن ملف الإنترنت في إيران لم يعد مجرد مسألة تنظيمية أو تقنية، بل تحول إلى شبكة معقدة تجمع بين القمع السياسي، والنهب المالي، واحتكار النفوذ. إن إجبار الشعب الإيراني على دفع ثمن القيود المفروضة على حريته يعكس استنزافاً منظماً يضاف إلى أزمات الغلاء والتضخم الشهري المتصاعد، مؤكداً أن الاستبداد في طهران يوظف كافة مقدرات الدولة لخدمة بقائه، ومحاصرة تطلعات الجيل الجديد في التحرر والانفتاح على العالم الخارجي.
تكشف فضيحة اقتصاد كسر الحجب في إيران أن سياسات التعتيم الرقمي تحولت إلى منجم أرباح هائل تديره شبكات الفساد التابعة لنظام الولي الفقيه بالتوازي مع استخدامها كأداة بطش أمني لخنق الانتفاضات؛ إن ازدواجية النظام في استباحة الفضاء الرقمي لمسؤوليه وحرمانه عن الشعب، ونهب مليارات التومانات من جيوب المواطنين، يمثلان دليلاً قاطعاً على إفلاس المنظومة الحاكمة أخلاقياً وسياسياً، مما يزيد من غليان الشارع وإصراره على كسر كافة أشكال الحصار والاستبداد.