حين سقط حارس البوابة الشرقية

العراق الذي كان حارساً للبوابة الشرقية يتحول إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الإيراني وتتنازع القرار فيه قوى إقليمية متعددة.
میدل ایست اونلاین- نزارجاف:
النفوذ الايرانينفوذ ايراني لا يعبر الحدود فقط بل مؤسسات الدولة العراقية
كان العراق، طوال عقود، يقدم نفسه بوصفه حارس البوابة الشرقية للوطن العربي، وهي العبارة التي ارتبطت خصوصا بالحرب العراقية ـ الإيرانية، حين وجد النظام العراقي في مواجهة إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979، ثم اندلاع الحرب عام 1980، مبررا لتقديم العراق باعتباره السد الذي يقف بين العالم العربي ومشروع إيراني يتجاوز حدود الدولة الإيرانية إلى المجال العربي.
قد يختلف المرء جذريا مع نظام صدام حسين، ويرفض كثيرا من سياساته الداخلية ومنطقه السياسي، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب حقيقة جيوسياسية أعمق: وجود عراق قوي كان يمثل أحد عناصر التوازن الرئيسية في الخليج والشرق الأوسط أمام إيران، فقد خاض البلدان حربا استمرت ثماني سنوات، وكانت إيران تنظر إلى العراق باعتباره خصمها العسكري المباشر الأكبر على حدودها.
لكن المفارقة بدأت بعد سقوط نظام صدام عام 2003، فالعراق الذي كان يفاخر بأنه يحرس البوابة الشرقية، تحول تدريجيا إلى واحدة من أهم الساحات التي عبر من خلالها النفوذ الإيراني إلى العمق العربي.
ولم تكن إيران بحاجة إلى احتلال عسكري مباشر؛ فقد دخلت من أبواب السياسة والدين والاقتصاد والأمن، مستفيدة من انهيار مؤسسات الدولة والفراغ الذي خلفه سقوط النظام، ومن علاقات قديمة نسجتها مع قوى وشخصيات عراقية خلال سنوات المعارضة والمنفى.
وهكذا انقلب المشهد بصورة تكاد تكون ساخرة في دلالتها التاريخية: العراق الذي كان يقف على الضفة العربية في مواجهة إيران، أصبح بعد 2003 أحد أهم ممرات النفوذ الإيراني في المنطقة.
ولم يعد الأمر يتعلق بعلاقة بغداد بطهران فحسب، بل نشأت منظومة نفوذ أكثر تعقيدا، تمتد من الأحزاب والمؤسسات إلى الاقتصاد والإعلام، ومن الحدود إلى الفصائل المسلحة. وأصبح وجود جماعات مسلحة مرتبطة بإيران جزءا من المشهد السياسي والأمني العراقي، فيما احتفظ بعضها بعلاقات ولاء وارتباط بطهران.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر إيلاما: الجيش الذي خاض حربا طويلة على الحدود الشرقية لم يعد موجودا، والدولة التي كانت تعتبر إيران خصمها الإقليمي الأكبر تفككت مؤسساتها العسكرية والسياسية، بينما عادت القوى التي بنت علاقاتها مع طهران خلال سنوات المعارضة والمنفى إلى بغداد لتشارك في صياغة النظام الجديد.
لقد تغيرت المعادلة بالكامل.
وعندما نتحدث عن نفوذ ولاية الفقيه، فالمقصود هنا ليس الشعب الإيراني ولا المذهب الشيعي، وإنما نظرية سياسية دينية جعلت من ولاية الفقيه أساسا لمشروع يتجاوز حدود الدولة الإيرانية، وسعت الجمهورية الإسلامية من خلاله إلى بناء شبكة من الحلفاء والشركاء المسلحين في عدد من دول المنطقة، كان الحرس الثوري وفيلق القدس من أبرز أدواتها.
وهنا لا تكمن المشكلة في إيران بوصفها دولة جارة؛ فالدول يمكن أن تتجاور وتتعاون وتختلف. المشكلة تبدأ عندما تتحول الدولة المجاورة إلى مجال نفوذ، وعندما يصبح السلاح خارج إطار الدولة أداة للسياسة الإقليمية، وعندما تتحول الولاءات العابرة للحدود إلى عنصر ينافس مفهوم الدولة الوطنية.
ولعل العراق هو المثال الأوضح على ذلك، فحين كان العراق قويا عسكريا، كانت إيران مضطرة إلى التعامل معه باعتباره دولة قادرة على تشكيل تهديد مباشر. وبعد 2003، وجدت طهران أمامها عراقا أضعف مؤسساتيا، وأكثر انقساما، وأكثر تعرضا للتدخلات الخارجية، الأمر الذي أتاح لها بناء نفوذ واسع داخله.
لكن المفارقة لم تتوقف عند العراق، فمع انفتاح البوابة الشرقية، لم يتوقف العبور عند حدوده، بل تشكلت شبكة إقليمية أوسع من الحلفاء والفصائل المسلحة، وأصبح العراق جزءا من منظومة نفوذ تمتد إلى دول أخرى في المنطقة.
في الماضي كان الخطر الإيراني، في نظر خصوم طهران، يتمثل في جيش يمكن رؤيته على الحدود. أما لاحقا فقد أصبح النفوذ أكثر تعقيدا: حزب سياسي، فصيل مسلح، شبكة اقتصادية، علاقة دينية، نفوذ داخل مؤسسة رسمية، أو خطاب أيديولوجي يتجاوز الحدود الوطنية.
وهذه ربما هي أخطر أشكال النفوذ، لأن الجيوش يمكن رؤيتها على الحدود، أما النفوذ الذي يدخل عبر المؤسسات والمجتمعات والأحزاب والشبكات المسلحة فلا يحتاج دائما إلى عبور الحدود بصورة معلنة.
لقد تغيرت وظيفة البوابة.
كانت البوابة الشرقية تعني في الماضي الحدود التي يجب الدفاع عنها، أما بعد سقوط العراق القديم فقد أصبحت تعني شيئا مختلفا: الممر الذي يمكن أن يعبر من خلاله النفوذ الإقليمي إلى المجال العربي.
ومن هنا فإن المأساة العراقية لا تختصر في سقوط نظام وصعود نظام آخر، بل تكمن في السؤال الأعمق: هل يستطيع العراق أن يكون عراقا أولا، أم يتحول إلى ساحة تتصارع فيها المشاريع الإقليمية والدولية؟
فالمشكلة ليست في أن تكون للعراق علاقات جيدة مع إيران، كما ليست في علاقاته مع تركيا أو السعودية أو الولايات المتحدة أو غيرها. المشكلة تبدأ عندما يصبح القرار الوطني موزعا بين مراكز نفوذ خارج الدولة، وعندما يصبح السلاح قادرا على فرض إرادته إلى جانب المؤسسات الرسمية، وعندما تتحول الجغرافيا العراقية من مصدر قوة للدولة إلى مساحة تستخدمها قوى أخرى لتحقيق أهدافها.
لقد كان العراق، بحكم موقعه، مؤهلا لأن يكون جسرا بين الشرق والغرب، وبين الخليج وبلاد الشام، وبين العالم العربي وإيران وتركيا، لكن الجسر شيء والممر الذي تعبره مشاريع الآخرين شيء آخر.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الأكبر: العراق الذي كان يفاخر بأنه حارس البوابة الشرقية، انتهى بعد سقوط نظامه إلى بوابة مفتوحة؛ فمن جهة خرجت منه أزمات العراق إلى المنطقة، ومن جهة أخرى دخلت إليه مشاريع المنطقة.
وبين عراق الأمس وعراق اليوم، لم تتغير البوابة وحدها، بل تغير معنى الحراسة نفسها، فالحارس الحقيقي لأي بوابة ليس قوة السلاح وحدها، وإنما قوة الدولة التي تقف خلف ذلك السلاح، واستقلال قرارها، وقدرتها على جعل حدودها حدودا للدولة، لا خطوطا مفتوحة أمام مشاريع الآخرين.
ولهذا فإن السؤال العراقي والعربي اليوم لا ينبغي أن يكون: من يحكم العراق؟ بقدر ما ينبغي أن يكون: من يملك القرار العراقي؟
فإذا كان القرار عراقيا، يمكن للعراق أن يكون جسرا. أما إذا أصبح القرار موزعا بين عواصم ومراكز نفوذ، فإن البوابة الشرقية لن تكون بحاجة إلى حارس؛ لأن الخطر، هذه المرة، لن يأتي من خلف الحدود فقط، بل قد يصبح جزءا من المشهد الذي يقف داخل البوابة نفسها.