النظام الإيراني بين مطرقة العقوبات وسندان الوكلاء الإقليميين

د. سامي خاطر
أمد/ أولًا: هاجس تفعيل آلية “الزناد” (Snapback) وأزمة العقوبات
سلّط السيد موسى أفشار الضوء في لقاء حواري عبر الانترنت، عُقد بحضور عشرات الشخصيات السياسية والاعلامية تحت عنوان (النظام الایراني فی مأزق، کلما ضعف داخلیا، تشبث أکثر بأذرعه الخارجیة)، في مساء يوم الاحد المصادف الـ 17 من أغسطس 2025 على واحدة من أخطر القضايا التي يواجهها النظام الإيراني حاليًا، وهي احتمال تفعيل آلية “الزناد” (Snapback) من قبل بريطانيا وفرنسا وألمانيا في حال فشل التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي بحلول نهاية أغسطس.. هذا التهديد الأوروبي يشكل مصدر رعب للنظام؛ إذ يعني عودة العقوبات الأممية بما فيها العقوبات على الأسلحة، واعتبار النظام تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.
من جانبه اعترف وزير خارجية نظام الملالي نفسه بهذا الصدد بأن تفعيل هذه الآلية ستكون لها “تبعات استراتيجية وسياسية سيئة” من أبرزها العودة إلى الفصل السابع في مجلس الأمن.. داخليًا أدى هذا الملف إلى تعميق الانقسامات داخل أجنحة النظام؛ إذ يرى بعضهم ضرورة التفاوض لتفادي “الخنق الاقتصادي” بينما يصر آخرون على المضي في العناد والتهديد بأن الصواريخ الإيرانية قادرة على الوصول إلى أوروبا ..ومع كل ذلك تبقى الأزمة الأشد للنظام هي الخوف من اندلاع انتفاضة شعبية، خصوصًا مع تفاقم الأزمات المعيشية. فقد أقر الرئيس بزشكيان بأن البلاد تواجه أزمة مياه وكهرباء وغاز ومال وتضخم دون أي حلول.. هذا ولم يجد نظام الملالي سوى الإعدامات وسيلة لمنع الانفجار الشعبي؛ إذ أعدم 93 شخصًا خلال أسبوعين فقط.. لكن هذه السياسة تزيد من احتقان الشارع، وفي المقابل صعّدت وحدات المقاومة عملياتها مستهدفة مراكز الحرس والبسيج، فيما شهدت سيستان وبلوشستان عمليات مسلحة أودت بحياة عدد من عناصر النظام.
ثانيًا: الاستراتيجية الإقليمية – الوكلاء كخط الدفاع الأخير
لفت أفشار الأنظار إلى أن خامنئي في ظل الضغوط الداخلية والخارجية يجد نفسه أكثر حاجة إلى أذرعه الإقليمية، ومن هنا يأتي إصراره على الحفاظ على حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق؛ فالقيادات الإيرانية تعترف صراحة بأن سقوط أحد هذه الأذرع يعني خسارة استراتيجية فادحة للنظام.. كما قال وزير الاستخبارات الأسبق: “لقد خسرنا سوريا.. ماذا سيحدث إذا نُزع سلاح حزب الله؟”
ثالثًا: زيارة لاريجاني إلى العراق – الأهداف والرسائل
تحدث مهدي عقبائي عن زيارة لاريجاني إلى العراق، موضحًا أن هدفها الأساسي كان ضمان بقاء العراق ورقة بيد طهران سواء بمنع استخدام أجوائه ضد النظام في حال اندلاع حرب أو بتأمين طرق التحايل على العقوبات عبر تهريب النفط والدولار والبضائع..
كما هدفت الزيارة إلى توحيد الميليشيات الموالية للنظام استعدادًا للانتخابات المقبلة، وضمان استمرار السيطرة على مؤسسات الدولة العراقية.. حتى مراسم الأربعين حاول النظام استغلالها سياسيًا لإضفاء شرعية على وجوده. غير أن المعارضة الشعبية العراقية والضغط الأميركي باتا يشكلان عائقًا متزايدًا أمام نفوذ طهران.
رابعًا: لبنان – معركة نزع سلاح حزب الله
شدّد أفشار على أن منع نزع سلاح حزب الله يمثل خط الدفاع الأول لخامنئي إذ يعتبر الحزب أهم أداة عسكرية ودرعًا لحماية النظام؛ لذلك يسعى الحرس الثوري إلى تعطيل أي خطة دولية أو لبنانية لنزع سلاح الحزب عبر الترهيب السياسي والإعلامي أو حتى تنفيذ هجمات أمنية لخلق حالة من الفوضى وربطها بغياب حزب الله؛ لكن المؤشرات على الأرض تشير إلى تقلص نفوذ النظام في لبنان، حيث أبدت القوى السياسية اللبنانية بما فيها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء مواقف صريحة ضد التدخل الإيراني.. كما تراجعت القاعدة الاجتماعية للحزب بسبب تراجع التمويل الإيراني؛ إذ كان معظم الدعم قائمًا على الأموال التي دفعها من جيب الشعب الإيراني.
خامسًا: اليمن – الوكيل الأرخص والأكثر فائدة
أما في اليمن، فقد اعتبر عقبائي أن الحوثيين يمثلون ورقة منخفضة التكلفة وعالية المنفعة للنظام الإيراني؛ فهم خاضعون كليًا لإمرة الحرس الثوري وتُستخدم عملياتهم العسكرية كأداة ابتزاز سياسي. وقد تم ضبط شحنات أسلحة ضخمة مرسلة لهم مؤخرًا، بما في ذلك 750 طنًا من الصواريخ والمعدات.
ولذلك، يرى عقبائي أن السبيل لمواجهة نفوذ طهران في اليمن يكمن في دعم الحكومة الشرعية سياسيًا وعسكريًا، وعدم ترك الساحة للحوثيين الذين يُدارون من طهران.
سادسًا: المخرج والحل
خلص أفشار إلى أن الحل الجذري لكل هذه الأزمات يتمثل في إسقاط نظام الملالي على يد الشعب الإيراني والمقاومة الإيرانية. لكن إلى جانب ذلك، يجب فضح مخططات طهران في المنطقة عبر الإعلام والسياسة، والعمل على نزع سلاح حزب الله وحل الحشد الشعبي، كخطوات ضرورية لحرمان خامنئي من أدواته الخارجية.
وأكد أن أي رهان على بقاء هذه الميليشيات لا يعني سوى استمرار نزيف المنطقة، بينما دعم الشعوب والقوى الوطنية هو الطريق لإسقاط مشروع خامنئي وإعادة الأمن والاستقرار في المنطقة.
الخلاصة:
النظام الإيراني يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم؛ إما مواجهة عزلة خانقة إذا فُعِّلت آلية الزناد، أو الاستمرار في الارتماء خلف وكلائه الإقليميين. لكن بين العقوبات من الخارج والانتفاضات من الداخل، يبدو أن أوراق خامنئي تتساقط تباعًا، فيما تتعاظم فرص الشعوب والقوى المقاومة لاقتلاع هذا النظام من جذوره.