الأخبارالمعارضة الإيرانية

الجلوس مع الشيطان على طاولة واحدة

الجلوس مع الشيطان على طاولة واحدة
ليس هناك نظام في المنطقة أكثر من نظام الملالي رفع شعار

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
ليس هناك نظام في المنطقة أكثر من نظام الملالي رفع شعار العداء للولايات المتحدة الأمريكية وجعله ركيزة لشرعيته السياسية والعقائدية. فمنذ اليوم الأول لقيامه، لم يكتف بوصف الولايات المتحدة بـ”الشيطان الأكبر”، بل حول هذا الوصف إلى عقيدة سياسية لا يجوز الاقتراب منها أو مراجعتها. ولم يكن تهديد مؤسس النظام، الملا خميني، بأن “اليد التي تمتد من طهران لمصافحة أمريكا ستقطع”، مجرد عبارة عابرة، بل كان إعلانا عن خط أحمر زج بالدين والسياسة معا لحمايته ومنع المساس به.
غير أن ما تكشفه وقائع العقود السبعة والأربعين الماضية يثبت أن هذا الشعار لم يكن سوى أداة تعبئة واستهلاك داخلي، وأنه كان قابلا للتراجع والانحناء كلما أصبحت مصلحة النظام على المحك. فبين الشعارات التي تملأ المنابر، والقرارات التي تتخذ في الغرف المغلقة، ظل هناك دائما تناقض صارخ لا يستطيع النظام إخفاءه مهما أتقن صناعة الدعاية.
ولم يكن مصادفة أن يعلن أحد كبار رجال الدين في النظام، قبل مدة قصيرة، أن الحفاظ على النظام واستمراره أهم من الصلاة والصوم والزكاة. فهذا التصريح لم يكن زلة لسان، وإنما كشف صريح عن العقيدة الحقيقية التي تحكم السلطة في إيران؛ عقيدة تجعل بقاء النظام فوق كل قيمة، وأعلى من كل شعار، وأقدس من كل ما يدعي الدفاع عنه.
واليوم، وبينما تتواصل جولات التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتعقد اللقاءات على طاولة واحدة، وتتواصل الاتصالات السرية بعيدا عن الأضواء، يتهاوى واحد من أكثر الشعارات التي استثمر فيها النظام لعقود طويلة. فـ”الشيطان الأكبر” الذي كان الاقتراب منه خيانة، والحديث معه ارتدادا، ومصافحته جريمة لا تغتفر، أصبح شريكا في التفاوض حين باتت مصلحة النظام مهددة. وهكذا تتحول المحرمات إلى مباحات، وتصبح العقائد مجرد نصوص قابلة للتعليق متى ما اقتضت ذلك ضرورات البقاء.

لقد أثبتت التجربة، مرة بعد أخرى، أن النظام لا يؤمن إلا بعقيدة واحدة، هي عقيدة البقاء. أما الشعارات الدينية والثورية التي طالما رفعها، فلم تكن سوى وسائل مؤقتة يمنحها قداسة حين تخدمه، ثم يجردها من تلك القداسة عندما تصبح عبئا عليه. ولذلك، فإن الحديث عن ثوابت أيديولوجية لدى هذا النظام يفقد معناه كلما اقتربت ساعة الخطر، لأن الثابت الوحيد الذي لا يقبل المساومة هو استمرار السلطة.
إن السنوات الأخيرة، بما حملته من أزمات داخلية وانتفاضات شعبية وضغوط خارجية، لم تكتف بكشف الوجه الحقيقي لهذا النظام، بل أسقطت عنه آخر أقنعته. فقد بات واضحا أنه مستعد لعقد الصفقات مع من وصفهم بالأمس بالأعداء، وأن يقدم التنازلات التي كان يجرم مجرد الحديث عنها، ما دام ذلك يمنحه فرصة إضافية للبقاء.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا كان النظام قد قبل اليوم بالجلوس مع “الشيطان الأكبر” على طاولة واحدة، بعد أن جعل من ذلك لعقود خطيئة لا تغتفر، فما الذي يمكن أن يمتنع عن فعله غدا؟ وأين تقف حدود تنازلاته؟ الحقيقة التي لم يعد يستطيع إخفاءها هي أن كل شيء لديه قابل للبيع والمساومة… إلا السلطة. أما بقاء النظام، فهو العقيدة الوحيدة التي لا تزال مقدسة في قاموس ولاية الفقيه.

زر الذهاب إلى الأعلى