الأخبارالمعارضة الإيرانية

الإعدام كأداة بقاء مهزومة

الإعدام كأداة بقاء مهزومة
لم تعد الإعدامات في إيران مجرد أحكام قضائية

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
لم تعد الإعدامات في إيران مجرد أحكام قضائية تنفذ خلف أبواب السجون، بل تحولت إلى واحدة من أبرز أدوات السلطة في مواجهة مجتمع تتراكم داخله أسباب الاحتجاج. وكلما اتسعت دائرة الاعتراض، بدا أن النظام يضاعف اللجوء إلى المشانق، في محاولة لإعادة إنتاج الخوف وردع المحتجين قبل أن تتحول الاحتجاجات المتفرقة إلى حركة أوسع.
غير أن المفارقة الأكثر دلالة تظهر داخل السجون نفسها. ففي أسبوعها الأربعين بعد المئة، اتسعت حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” لتشمل، وفق الجهة المنظمة، 66 سجنا في أنحاء إيران، مع انضمام سجناء من دره‌شهر في إيلام ومشكين‌شهر في أردبيل. وهكذا لم تعد السجون مجرد أماكن للاحتجاز، بل تحولت أيضا إلى ساحات احتجاج على سياسة الإعدام.
وفي الوقت نفسه، تستمر عمليات الإعدام بوتيرة مرتفعة. فقد أفادت تقارير المعارضة بإعدام ما لا يقل عن عشرة سجناء في 30 سبتمبر، بينهم الشابان علي همتي ومجيد نيك‌آنديش، اللذان تقول المصادر إنهما اعتقلا على خلفية احتجاجات يناير. كما أعدمت في 28 سبتمبر مهروخ ميرزائي، البالغة 30 عاما، إلى جانب ثلاثة رجال آخرين. وتكشف هذه الوقائع، بصرف النظر عن اختلاف الروايات بشأن تفاصيل كل قضية، استمرار استخدام عقوبة الإعدام على نطاق واسع.
والأكثر إثارة للقلق هو ارتباط جانب من أحكام الإعدام بالاحتجاجات. فقد وثقت منظمة “حقوق الإنسان في إيران” في سبتمبر وجود ما لا يقل عن 100 محتج يواجهون خطر الحكم بالإعدام، بينهم نساء وأطفال، وقالت إن 31 محتجا أعدموا منذ مارس، معظمهم ممن اعتقلوا خلال احتجاجات يناير.
وهنا تتجاوز القضية حدود العقوبة الجنائية لتصبح قضية سياسية وحقوقية بامتياز. فحين يستخدم حكم الإعدام ضد أشخاص بسبب مشاركتهم في احتجاجات أو ممارسة حقوق أساسية، فإن أثره لا يقتصر على الضحية وعائلتها، وإنما يمتد إلى المجتمع بأكمله عبر رسالة ترهيب جماعي.
لكن هذه الرسالة تواجه اليوم مقاومة من داخل السجون وخارجها.
فحملة “ثلاثاءات لا للإعدام” تقدم نموذجا لافتا على رفض المعتقلين تحويل السجن إلى مساحة صمت. وإضراب السجناء عن الطعام، واتساع المشاركة من سجن إلى آخر، يعكسان محاولة لكسر العزلة التي تراهن عليها السلطة في التعامل مع المعتقلين المحكوم عليهم بالموت.
وفي الخارج، يتزايد الضغط الدولي. ففي 30 سبتمبر، أدانت مجموعة من 46 دولة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تصاعد استخدام عقوبة الإعدام في إيران، وأعربت بصورة خاصة عن القلق من إعدام المحتجين ومن الأحكام الصادرة بحق آخرين على خلفية الاحتجاجات. وأشار البيان إلى أن الإعدام يستخدم، وفق ما خلص إليه خبراء الأمم المتحدة، لبث الخوف وقمع المعارضة وردع التعبير والتجمع السلميين.
ولا تأتي هذه الإدانة من فراغ. فقد وثقت آليات الأمم المتحدة خلال عام 2026 حالات لمعتقلين يواجهون خطر الإعدام، وأثارت مخاوف بشأن التعذيب والاحتجاز التعسفي وضمانات المحاكمة العادلة. كما حذرت من تطبيق عقوبة الإعدام في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات ومن استخدام اعترافات يزعم أنها انتزعت تحت التعذيب.
ومن هذه الزاوية، تصبح الإعدامات جزءا من معادلة أكبر: السلطة تريد أن تجعل الخوف حاجزا أمام الاحتجاج، بينما يحاول المحتجون والمعتقلون كسر هذا الحاجز وتحويل الخوف نفسه إلى قضية عامة.
ويستحضر هذا المشهد بطبيعة الحال إرث الإعدامات السياسية ومجزرة السجناء عام 1988، التي لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية والحقوقية الإيرانية. غير أن المقارنة بين المرحلتين ينبغي أن تبقى تاريخية، لأن الظروف والسياقات تختلف، فيما يبقى السؤال المشترك هو مدى قدرة القمع على إنهاء المعارضة.
إن التجربة الإيرانية نفسها تقدم جوابا أكثر تعقيدا من مجرد “القمع يؤدي إلى الصمت”. فالإعدامات قد تفرض الخوف في لحظة معينة، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تحول الضحايا إلى رموز، وأن تزيد من المطالب بالعدالة، وأن تجعل ملف حقوق الإنسان أكثر حضورا على المستوى الدولي.
ولهذا تبدو المشانق اليوم أمام معادلة متناقضة. فالنظام يستخدمها لإظهار القوة، لكن ارتفاع عدد الأحكام والإعدامات يضعه في مواجهة إدانات دولية متزايدة، بينما تتسع داخل السجون حركة احتجاجية ترفع شعار “لا للإعدام”.
ولا يمكن الجزم بأن هذا المسار سيؤدي حتما إلى انهيار النظام أو إلى تحول الاحتجاجات إلى انتفاضة شاملة. لكن من الواضح أن الإعدام لم ينجح في إغلاق ملف الاحتجاج؛ فالاحتجاج موجود في الشارع، وصوته يصل من داخل السجون، والقضية تحولت إلى ملف حاضر في مجلس حقوق الإنسان وفي تقارير المنظمات الدولية.
وهنا تكمن المفارقة الأهم: كلما حاول النظام جعل المشانق أداة لإسكات المجتمع، أصبحت الإعدامات نفسها موضوعا للاحتجاج والمساءلة.
فالمعركة لم تعد فقط بين السجين والمشنقة، وإنما بين سياسة تقوم على الترهيب، ومجتمع يصر على تحويل الضحايا إلى قضية عامة. وبينما تستمر السلطة في تنفيذ أحكام الموت، تستمر أيضا أصوات “لا للإعدام” في السجون والشوارع والمنابر الدولية.
وقد تكون هذه هي أعمق مفارقات سياسة الإعدام: أن الأداة التي تستخدم لإنتاج الخوف يمكن أن تتحول، عندما يتسع نطاق استخدامها، إلى عامل يكشف حجم الأزمة التي يحاول النظام إخفاءها.

زر الذهاب إلى الأعلى