الأخبارالمعارضة الإيرانية

أذرع إيران في الخارج: عبء لا يستطيع النظام التخلي عنه

أذرع إيران في الخارج: عبء لا يستطيع النظام التخلي عنه
كلما اشتدت الضغوط على النظام الإيراني في الداخل، ازدادت حاجته إلى الإمساك بأذرعه في الخارج

الحوار المتمدن-سعاد عزيزکاتبة مختصة بالشأن الايراني:
كلما اشتدت الضغوط على النظام الإيراني في الداخل، ازدادت حاجته إلى الإمساك بأذرعه في الخارج. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل واحدة من أكثر معضلات الجمهورية الإسلامية تعقيدا: طهران تعرف أن استمرار دعم حلفائها المسلحين يستنزف مواردها ويزيد عزلتها، لكنها تعرف في الوقت نفسه أن التخلي عنهم قد يكون أكثر كلفة عليها سياسيا وأمنيا واستراتيجيا.
فالعراق ولبنان واليمن بالنسبة إلى النظام الإيراني ليست مجرد ساحات نفوذ إقليمي، وإنما أجزاء من منظومة أوسع بنتها طهران على مدى عقود، وجعلت منها وسيلة لإبعاد خطوط المواجهة عن أراضيها، وممارسة الضغط على خصومها، والحفاظ على أوراق تفاوضية في أية مواجهة إقليمية أو دولية. ويؤكد مجلس العلاقات الخارجية أن الحرس الثوري، ولا سيما فيلق القدس، يمثل حلقة أساسية في دعم الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في العراق ولبنان واليمن وسواها.
لكن المشكلة أن الظروف التي نشأت فيها هذه الاستراتيجية لم تعد كما كانت. فإيران تواجه ضغوطا اقتصادية قاسية، وتراجعا في قيمة عملتها، وتضخما مرتفعا، فضلا عن العقوبات وتراجع عائدات النفط. وقد حذرت مصادر وتحليلات اقتصادية خلال العام الحالي من استمرار تدهور الاقتصاد الإيراني وتفاقم الضغوط على العملة والأسعار.
ومع ذلك، لا يبدو أن طهران مستعدة ببساطة لإغلاق أبواب الإنفاق على شبكاتها الإقليمية. والسبب أن المسألة، من وجهة نظر النظام، تتجاوز حسابات الكلفة المالية. فخسارة هذه الشبكات تعني خسارة عمق استراتيجي بناه النظام خلال أكثر من أربعة عقود، وتعني أيضا انتقال الضغط من ساحات بعيدة إلى الحدود الإيرانية ومؤسسات الدولة والمجتمع الإيراني نفسه.
العراق: الساحة التي يصعب على طهران التخلي عنها
يكتسب العراق أهمية استثنائية في الحسابات الإيرانية. فهو الجار المباشر، والممر الجغرافي والسياسي الأهم، كما أن وجود فصائل مسلحة مرتبطة بطهران يمنح إيران قدرة على التأثير في المشهد العراقي وعلى التعامل مع أي تصعيد أميركي أو إقليمي من خلال ساحة مجاورة.
ولهذا فإن الدعوات العراقية إلى حصر السلاح بيد الدولة تشكل بالنسبة إلى طهران أكثر من مجرد إجراء أمني عراقي. إنها تمس إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني في المنطقة. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الشبكة الإيرانية أعادت ترتيب أولوياتها بصورة متزايدة حول العراق واليمن بعد الانتكاسات التي تعرضت لها في ساحات أخرى.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد الضغط على إيران، ازدادت حاجتها إلى المحافظة على نفوذها في العراق، وكلما ازداد تدخلها في الملف العراقي، ازدادت صعوبة بناء دولة عراقية قادرة على اتخاذ قرار أمني مستقل.
لبنان: خسارة الورقة لا تعني التخلي عنها
أما لبنان، فيمثل حالة أكثر تعقيدا. فحزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح تدعمه إيران، بل أصبح خلال عقود مؤسسة سياسية وعسكرية واجتماعية واسعة داخل الدولة اللبنانية. ولذلك فإن تقليص قدراته أو قطع مصادر تمويله يمثل لطهران خسارة استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة.
وقد فرضت الولايات المتحدة في آب/أغسطس الماضي عقوبات جديدة على شبكات مرتبطة بحزب الله، مؤكدة في توصيفها أن الحزب يعمل في إطار علاقة مباشرة مع الحرس الثوري وفيلق القدس.
لكن استمرار الدعم الإيراني للبنان، رغم هذه الضغوط، يطرح سؤالا أكبر: إلى أي حد تستطيع إيران تمويل شبكة خارجية واسعة بينما تتعرض هي نفسها لضغوط اقتصادية متزايدة؟
اليمن: ورقة استراتيجية بتكلفة إقليمية متصاعدة
وفي اليمن، تبدو الحسابات مختلفة. فالحوثيون يمثلون لطهران ورقة استراتيجية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، وتؤكد التطورات الأخيرة استمرار الدعم الإيراني والقدرات التي طورتها الجماعة. وفي الوقت نفسه، أدى تجدد القتال خلال الأسابيع الأخيرة إلى نزوح أكثر من 200 ألف شخص، في مؤشر على خطورة استمرار التصعيد.
وبذلك تستطيع إيران استخدام الساحة اليمنية للضغط على خصومها وتهديد طرق الملاحة الحيوية، لكنها تدفع في المقابل ثمنا سياسيا واقتصاديا متزايدا، لأن كل تصعيد جديد يوسع دائرة الدول التي ترى في النفوذ الإيراني تهديدا مباشرا.
المعضلة الإيرانية
المعضلة الحقيقية أن النظام الإيراني يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف. فإذا استمر في تمويل أذرعه، فإنه يستنزف موارده في وقت يحتاج فيه إلى معالجة أزماته الداخلية، ويمنح خصومه مبررات إضافية لتشديد العقوبات والضغط عليه. وإذا تراجع عنها، فإنه يخاطر بتآكل شبكة نفوذه التي يعتبرها أحد أهم عناصر قوته الإقليمية.
ولهذا يبدو أن طهران ستسعى، في المستقبل المنظور، إلى إعادة هيكلة نفوذها أكثر من التخلي عنه: تقليل الكلفة المباشرة، الاعتماد بصورة أكبر على قدرات الحلفاء الذاتية، وتوجيه الدعم إلى المواقع التي تعتبرها أكثر أهمية، بدلا من التخلي الكامل عن الشبكة.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة أخرى. فالأذرع التي تعتمد عليها إيران اليوم أصبحت أكثر استقلالا في بعض الحالات، وأكثر قدرة على إنتاج قراراتها ومصالحها المحلية. وكلما طال أمد الأزمات، أصبح من الصعب ضمان أن تتحرك جميع هذه القوى دائما وفق إيقاع واحد تحدده طهران.
وهنا قد تظهر المفارقة الكبرى خلال السنوات المقبلة: النظام الإيراني الذي أنشأ شبكة نفوذ واسعة لحماية نفسه قد يجد نفسه مضطرا إلى إنفاق المزيد من موارده للحفاظ عليها، في الوقت الذي أصبحت فيه قدرته الاقتصادية والسياسية على تمويلها أقل من أي وقت مضى.
وبالتالي فإن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة بين إيران وخصومها فقط، بل ستكون أيضا معركة داخل الاستراتيجية الإيرانية نفسها: كم تستطيع طهران أن تنفق وتحارب وتناور خارج حدودها، بينما تتراكم الضغوط داخل حدودها؟
والجواب عن هذا السؤال قد يحدد، إلى حد بعيد، شكل النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن خلال المرحلة المقبلة، وربما يحدد كذلك قدرة النظام نفسه على الحفاظ على المعادلة التي بناها طوال العقود الماضية.
ولعل الأخطر بالنسبة إلى النظام الإيراني أن كلفة أذرعه الخارجية لم تعد كلفة مالية فقط، بل بدأت تتحول إلى كلفة سياسية واجتماعية داخلية. فكلما اتسعت شبكة النفوذ الإيراني في العراق ولبنان واليمن، ازدادت الحاجة إلى تمويلها وتسليحها وحمايتها، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني أزمات متراكمة ويعاني المواطن من تراجع قدرته الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. وهنا تنشأ مفارقة شديدة الحساسية: الأذرع التي أنشأها النظام لتوفير عمق استراتيجي وحماية أمنه خارج الحدود يمكن أن تتحول، إذا ارتفعت كلفتها، إلى أحد مصادر الضغط على استقراره الداخلي. فالمواطن الذي يواجه التضخم وتراجع الخدمات لا ينظر بالضرورة إلى النفوذ الإقليمي باعتباره مكسبا وطنيا، بل قد يراه دليلا على أن أولويات السلطة مختلفة عن أولوياته. كما أن استمرار المواجهة غير المباشرة مع الخصوم يعرض إيران لعقوبات وضغوط وضربات يمكن أن تصل آثارها إلى الداخل. وبذلك تصبح الأذرع الإيرانية معادلة مزدوجة: هي بالنسبة إلى النظام أداة قوة خارجية، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى عبء داخلي كلما تراجعت قدرة الدولة على تحمل كلفتها.

زر الذهاب إلى الأعلى